محمد الدرة.. قصة 25 عامًا بين حضن أبيه وصورته بصفحات البكالوريا | ووالده: فلسطين حق والشكر للرئيس السيسي ووزير التعليم
قبل أن يصبح محمد الدرة صورةً في كتاب التاريخ، كان طفلًا صغيرًا يعرف شيئًا واحدًا فقط، أن أباه إلى جواره، في الصورة التي يعرفها العالم، لا يبدو المشهد كأنه صفحة من تاريخ ستُدرّس يومًا في المدارس، بل كان أقرب إلى لحظة متجمدة من الخوف؛ طفل يلتصق بأبيه، وأب يحاول بجسده أن يصنع لابنه ساترًا من العالم كله، خلفهما حاجز إسمنتي، وأمامهما لحظة لا يعرف الطفل أنها ستتجاوز عمره، ولا يعرف الأب أنها ستظل تطارد ذاكرة الناس بعد سنوات طويلة.
قصة 25 عامًا بين حضن أبيه وصورته بصفحات البكالوريا
محمد لم يكن يعرف وقتها شيئًا عن الانتفاضة الثانية، ولا عن المفاوضات، ولا عن أوسلو ومدريد، ولا عن الخرائط التي ستأتي بعد سنوات، كان يعرف أباه فقط، ولهذا بقيت الصورة، بعد نحو ربع قرن، وعاد ذلك الطفل إلى المشهد مرة أخرى، لكن هذه المرة من مكان مختلف تمامً صفحة في كتاب مدرسي ضمن أحدث المناهج المصرية، “البكالوريا المصرية”.
في منهج البكالوريا، تظهر صورة محمد الدرة ضمن درس “الانتفاضة الفلسطينية الثانية 2000″، كصورة أيقونيى معبرة عن المعاناة الإنسانية في هذه الانتفاضة، وتحتها تعريف مباشر “لحظة إطلاق النار على الطفل محمد الدرة”، لتنتقل الصورة من شاشة التلفزيون إلى الكتاب، ومن ذاكرة جيل عاش لحظتها إلى ذاكرة جيل سيتعرف عليها للمرة الأولى داخل درس للتاريخ.
بالنسبة إلى طالب يفتح الكتاب، قد تكون الصورة مجرد واحدة من صور الدرس، قد يقرأ قبلها عن تعثر مفاوضات السلام، وعن الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وعن اقتحام المسجد الأقصى، ثم يقلب الصفحة فيجد طفلًا وأبًا خلف حاجز إسمنتي، لكن بالنسبة إلى جمال الدرة، والد الطفل، لا يمكن للصورة أن تكون مجرد “صورة تاريخية”، وإنها اللحظة التي بقيت فيها حياة ابنه معلقة داخل إطار، كما يتحدث لـ القاهرة 24.
وفي تعليقه على إدراج القضية ومن المسؤولية، ينتقل الأب إلى ما يريده من هذه الخطوة، فلا يتوقف عند أن يعرف الطالب اسم محمد أو يرى صورته، وإنما يتمنى أن تترك القصة معنى أبعد لدى من يقرأها، وأن يعرف الأبناء أن وراء الأحداث التي يدرسونها أطفالًا ومدنيين عاشوا الخوف، ودفعوا ثمن ما جرى حولهم.
من حضن أبيه إلى صفحات الكتاب.. محمد الدرة يعود إلى الفصل
الأب خلال تصريحاته لا يتوقف عند إدراج صورة محمد الدرة في المنهج، وإنما ينظر إلى الخطوة باعتبارها فرصة لأن يتعرف جيل جديد إلى الجانب الإنساني من القضية الفلسطينية، وأن يدرك أن الأحداث التي يقرأ عنها في كتب التاريخ لم تكن مجرد تواريخ ومحطات سياسية، بل كانت حياةً عاشها أطفال ومدنيون ودفعوا ثمن ما جرى حولهم.
وتأتي صورة محمد الدرة داخل سياق أوسع تقدمه المناهج المصرية للقضية الفلسطينية، يبدأ من حرب أكتوبر 1973، ويمر بمسارات السلام والتفاوض، والانتفاضة الأولى، ومدريد وأوسلو، ثم الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وصولًا إلى تطورات غزة والدور المصري في الوساطة، وقمة شرم الشيخ للسلام عام 2025. وفي هذا السياق، يرى جمال الدرة أن حضور صورة ابنه لا يكتسب أهميته من شهرتها فقط، وإنما من وضعها داخل درس يعرّف الطلاب بتاريخ القضية وتطوراتها.
وبالنسبة إلى الأب، فإن دراسة القضية الفلسطينية لا ينبغي أن تتوقف عند الأحداث السياسية والعسكرية، وإنما تمتد إلى الإنسان الذي عاشها، ولذلك يتمنى أن يجد هذا الجانب مساحة أكبر في المناهج، من خلال شهادات حية لأسر الضحايا والأطفال الذين عايشوا تلك الأحداث، حتى لا تتحول القضية في ذهن الطالب إلى مجموعة من التواريخ والأسماء، بينما تغيب عنها الوجوه والقصص التي صنعت ذاكرتها.
ويختصر جمال الدرة رؤيته لهذه الفكرة بقوله: «التاريخ ليس تواريخ وأرقامًا فقط، وإنما قصص إنسانية وحقوق وذاكرة يجب أن تحفظها الأجيال»، ومن هنا، لا يفصل الأب بين صورة ابنه والقضية التي أصبحت واحدة من أشهر صورها، مؤكدًا أن حضور فلسطين في المناهج لا يتعلق فقط باسم يظهر على خريطة، وإنما بما تمثله القضية في ذاكرة الأجيال، ويقول: «فلسطين ليست مجرد اسم على خريطة، وإنما ذاكرة وهوية وحق لا يُمحى من وعي الأجيال».
وفي حديثه عن إدراج القضية الفلسطينية في المناهج، يوجّه جمال الدرة الشكر إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، والحكومة المصرية، والشعب المصري، ووزير التعليم محمد عبد اللطيف، معتبرًا أن حضور القضية بهذه الصورة يمثل خطوة في طريق إبقائها حاضرة أمام الأجيال الجديدة، لا بوصفها حدثًا من الماضي، وإنما قضية تحمل أبعادًا تاريخية وإنسانية ما زالت حاضرة.

ولا يخفي الأب في نهاية حديثه تقديره لمصر، فيوجّه لها التحية قائلًا: تحيا مصر، مصر أمنا كلنا، بدون مصر لن يكون هناك أمة.
وهكذا يعود جمال الدرة إلى النقطة التي بدأت منها الحكاية: محمد، والصورة، والذاكرة، فبعد نحو ربع قرن من اللحظة التي ظل فيها الطفل عالقًا داخل إطار صورة، تنتقل حكايته إلى صفحات كتاب مدرسي، لتصل إلى أطفال لم يعيشوا تلك اللحظة، لكنهم سيتعرفون إليها للمرة الأولى داخل فصل دراسي. وبالنسبة إلى الأب، لا تكمن أهمية الخطوة في أن تبقى الصورة وحدها، وإنما في أن تبقى معها الحكاية، والذاكرة، والإنسان الذي كان داخلها.







