القوة الناعمة في إفريقيا على الطريقة المصرية
لم تعد القوة الناعمة للدول تُقاس فقط بانتشار ثقافتها أو حضورها السياسي والدبلوماسي، بل أصبحت القدرة على تقديم التنمية والخبرة وبناء المصالح المشتركة أحد أهم مكوناتها. وفي إفريقيا حيث تتصدر الطاقة والطرق والنقل والبنية الأساسية أولويات التنمية، تتحول الشركات الوطنية ومشروعاتها الكبرى إلى سفراء لبلادها.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الحضور المتنامي لشركتي المقاولون العرب والسويدي في القارة بالتوازي مع توجه الدولة لتعزيز الربط الجوي مع إفريقيا باعتباره ملامح لنموذج مصري للقوة الناعمة يقوم على البناء والطاقة والاتصال.
ويأتي مشروع سد ومحطة «جوليوس نيريري» الكهرومائية في تنزانيا كأحد أبرز النماذج على ذلك. فالمشروع الذي نفذه تحالف المقاولون العرب والسويدي إليكتريك باستثمارات تبلغ نحو 2.9 مليار دولار وقدرة توليد تصل إلى 2115 ميجاوات، يتجاوز في دلالاته حدود مشروع هندسي ضخم إلى كونه نموذجًا لما تستطيع الخبرة المصرية تنفيذه في قلب القارة.
ولا تكمن أهمية المشروع في أرقامه فقط وإنما في طبيعته كشراكة تنموية فقد شارك في تنفيذه نحو 13 ألف عامل معظمهم من التنزانيين إلى جانب الكوادر المصرية بما يعكس بعدًا آخر للحضور المصري يقوم على العمل المشترك ونقل الخبرة وبناء القدرات.
لكن مشروع «جوليوس نيريري» يحمل دلالة تتجاوز الاقتصاد والهندسة، خصوصًا في ظل ما تردد على مدار سنوات من محاولات تصوير الخلاف المصري حول سد النهضة باعتباره موقفًا مناهضًا لحق إثيوبيا أو الدول الإفريقية في التنمية فالرد الأقوى هنا ليس بيانًا سياسيًا، وإنما مشروع قائم بالفعل على الأرض الإفريقية.
مصر التي شاركت شركاتها الوطنية في بناء سد ومحطة كهرومائية عملاقة في تنزانيا، لإنتاج أكثر من ألفي ميجاوات من الكهرباء ودعم احتياجات دولة إفريقية من الطاقة والتنمية، تقدم دليلًا عمليًا على أن موقفها لم يكن يومًا ضد بناء السدود أو توليد الكهرباء أو حق الشعوب الإفريقية في التنمية.
فالتنمية في جوهرها لا ينبغي أن تكون معادلة يربح فيها طرف على حساب أمن طرف آخر، وإنما مساحة للتعاون وتبادل المنافع.
ومن هنا يصبح «جوليوس نيريري» أكثر من سد بنته شركات مصرية في تنزانيا؛ إنه حجة مصرية من الخرسانة والتوربينات في مواجهة سردية حاولت تقديم القاهرة باعتبارها خصمًا للتنمية الإفريقية.
فمن يريد معرفة موقف مصر الحقيقي من تنمية القارة، عليه ألا يكتفي بخطابات الخصوم، بل أن ينظر إلى ما تبنيه الأيدي المصرية على الأرض.
وعلى مدار أكثر من سبعين عامًا تحولت المقاولون العرب إلى واحدة من أبرز أدوات الحضور الهندسي المصري خارج الحدود، مع انتشار أعمالها في نحو 30 دولة في قطاعات الطرق والكباري والمياه والطاقة والموانئ والإسكان وغيرها من مجالات البنية الأساسية.
وفي إفريقيا تحديدًا تتجاوز قيمة هذه المشروعات العقود التجارية فالطريق أو الجسر أو مشروع المياه الذي تنفذه شركة مصرية يصبح جزءًا من الحياة اليومية للمواطن، ويبقى لسنوات حاملًا بصمة مصرية على الأرض.
وعلى المسار نفسه بنت السويدي حضورًا واسعًا في نحو 25 دولة إفريقية من مشروعات الطاقة في تنزانيا وأنجولا إلى خطوط ومحطات الكهرباء في غانا والكونغو الديمقراطية ومشروعات الطاقة والربط في جنوب السودان.
وهنا لا تصدر مصر منتجات فقط وإنما تصدر قدرتها على التنفيذ خبرة هندسية وإدارة للمشروعات وتكنولوجيا وتدريبًا للعمالة وبناءً للبنية الأساسية التي تحتاج إليها الاقتصادات الإفريقية للنمو.
فإذا كانت المقاولون العرب تبني، والسويدي تضيء، فإن الطيران المدني هو الجسر الذي يربط مصر بالقارة، ويحرك رجال الأعمال والمستثمرين والمهندسين والسياحة والتجارة والخبرات بين القاهرة والعواصم الإفريقية.
ومن هنا تكتسب التحركات النشطة لوزارة الطيران المدني لتعزيز الحضور المصري في إفريقيا أهمية تتجاوز مجرد زيادة عدد الرحلات أو الحسابات التشغيلية للناقل الوطني وشركات الطيران المصرية الخاصة، فالوزارة تتحرك برؤية أوسع تستهدف تحويل قطاع الطيران إلى أحد جسور التعاون والتكامل بين مصر ودول القارة.
ويتجسد هذا التوجه في العمل على توسيع شبكة الربط الجوي وإضافة نقاط جديدة داخل أفريقيا بالتوازي مع توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم للتعاون مع عدد من الدول الإفريقية في مجالات الطيران المدني، بما يشمل التدريب وبناء القدرات وتأهيل الكوادر ونقل الخبرات الفنية المصرية.
فالتوسع في الوجهات الإفريقية بالتوازي مع تحديث وزيادة أسطول مصر للطيران يدعم قدرة القاهرة على التحول إلى مركز أكبر للربط بين إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا وآسيا.
فالرحلة الجوية المباشرة ليست مجرد مقعد على طائرة إنها طريق سريع للاستثمار والتجارة وكلما قصرت المسافة بين القاهرة والعواصم الأفريقية أصبحت حركة المستثمر والمهندس والصادرات والخدمات أكثر سهولة عند جمع هذه التحركات معًا تظهر ملامح منظومة يمكن أن تمنح الحضور المصري في إفريقيا عمقًا أكبر.
وكل مشروع ناجح يمكن أن يفتح الباب أمام مشروع آخر، وكل سوق تدخلها شركة مصرية كبرى يمكن أن تصبح بوابة لعشرات الشركات المصرية الأصغر بينما يمنح الربط الجوي هذه الاستثمارات القدرة على الحركة والاستمرار.
امتلكت مصر تاريخيًا رصيدًا كبيرًا من القوة الناعمة في إفريقيا، من الأزهر والتعليم والثقافة إلى الفن والإعلام والدبلوماسية لكن المنافسة المتزايدة على القارة تفرض إضافة ركيزة جديدة إلى هذا الرصيد القوة الناعمة التنموية.
فإفريقيا لا تحتاج فقط إلى من يتحدث إليها بل إلى من يشاركها بناء احتياجاتها ومستقبلها وهنا تظهر قيمة التجربة المصرية شركة تشق طريقًا أو تبني سدًا وأخرى تنشئ محطة كهرباء، وطائرة تربط القاهرة بعاصمة إفريقية وتفتح أمامها مسارًا جديدًا للتجارة والاستثمار والتواصل.
ولعل سد «جوليوس نيريري» يلخص الرسالة كلها، مصر ليست ضد تنمية إفريقيا بل شريك فيها، ليست مع تعطيل السدود، بل تبنيها، وليست في مواجهة حق الشعوب في الكهرباء والتنمية، وإنما تتمسك بأن يظل هذا الحق متسقًا مع حقوق الآخرين، إنها قوة ناعمة لا تعتمد على الشعارات بل على أثر يبقى على الأرض وعلاقات تمتد بين البشر.
ولا يكتمل مشهد الحضور المصري في إفريقيا عند حدود السدود ومحطات الكهرباء والطرق وخطوط الطيران؛ فهناك مسار آخر ربما يكون أكثر التصاقًا بالإنسان الإفريقي نفسه تمثله منح الأزهر الشريف والدور الطبي المصري في دول القارة.
فالأزهر يمثل أحد أقدم وأعمق روافد القوة الناعمة المصرية في إفريقيا، عبر استقبال الطلاب الأفارقة وتقديم المنح الدراسية لهم، إلى جانب بعثاته التعليمية والدعوية وبرامج تدريب الأئمة وقرار الأزهر بمضاعفة المنح المخصصة لطلاب إفريقيا استمرار منظومة المنح للطلاب الوافدين حتى اليوم.
وعلى المسار الإنساني نفسه يبرز الحضور المصري في القطاع الصحي في ظل تحركات يقودها الدكتور خالد عبد الغفار وزير الصحة والسكان من خلال الفرق الطبية المصرية التي قدمت خدمات علاجية وأجرت عمليات جراحية في دول إفريقية من بينها السودان وجيبوتي والصومال وتشاد وغيرها ولم يقتصر هذا الحضور على إرسال الفرق والقوافل الطبية بل امتد إلى دعم المنشآت الصحية ونقل الخبرات والإمكانات وتوفير وحدات ومستلزمات للغسيل الكلوي وتجهيزات طبية بما يعكس انتقال الدور المصري من تقديم الخدمة العلاجية العاجلة إلى المساهمة في دعم قدرات الأنظمة الصحية الإفريقية.
وهنا تتكامل أدوات مصر في القارة؛ المقاولون العرب تبني، و«السويدي» تضيء، والطيران يربط والأزهر يعلّم والطبيب المصري يعالج أدوات مختلفة لكن رسالتها واحدة أن مصر لا تنظر إلى إفريقيا باعتبارها ساحة للمنافسة أو مجرد سوق للاستثمار، وإنما باعتبارها امتدادًا استراتيجيًا وشريكًا في التنمية والمستقبل.
وهذا هو جوهر القوة الناعمة على الطريقة المصرية أن تتحول العلاقة مع إفريقيا من شعارات تُقال إلى تنمية تُرى ومن وعود تُسمع إلى أثر يبقى في حياة الإنسان.







