الدبلوماسي الأمريكي والمبعوث السابق للشرق الأوسط جيمس جيفري : اتفاقية مكة ليست بديلًا عن المظلة الأمنية الأمريكية في المنطقة
«إذا هددت دولة أو قوة ما وجودك، فلك الحق فى الدفاع عن نفسك، بما فى ذلك احتلال الأرض التى يأتى منها التهديد».. بهذه العبارة، طرح الدبلوماسى الأمريكى المخضرم، والمبعوث السابق للشرق الأوسط، جيمس جيفرى تعريفًا واسعًا لمفهوم «الدفاع عن النفس»، وهو ما يفتح الباب أمام سؤال بالغ الأهمية: متى ينتهى حق الدولة فى الدفاع عن أمنها، ويبدأ الاحتلال والتوسع؟ وهل يمكن تطبيق المبدأ نفسه على جميع أطراف الصراع، أم أن الأمر يرتبط بهوية الدولة التى تمارس القوة؟.
وحين طرح حالات تتعلق بالفلسطينيين والدول العربية، رفض الدخول فى هذه السيناريوهات الافتراضية، مكتفيًا بالتأكيد: «يمكننا الاستمرار إلى ما لا نهاية فى طرح الافتراضات، لكننى ما زلت متمسكًا بإجابتى». يُوصف «جيفرى» بأنه أحد مهندسى الاستراتيجية الأمريكية تجاه منطقة «الشرق الأوسط» خلال العقود الثلاثة الماضية، بصفته مبعوث الرئيس الأمريكى لسوريا تارة، وللعراق وأنقرة خلال انسحاب الاحتلال الأمريكى من العراق تارة أخرى، مع كونه نائبًا سابقًا لمستشار الأمن القومى فى عهد بوش الابن، والمبعوث الرئاسى السابق لـ«التحالف الدولى لمكافحة داعش»، ورئيسًا لوحدة الشرق الأوسط فى مركز «ويلسون» بواشنطن، وقد تحدث فى حواره لـ«المصرى اليوم»، عن رؤيته للحرب على إيران، ومستقبل الردع الأمريكى فى المنطقة، والعلاقة بين واشنطن وتل أبيب، لكنه يجد نفسه أمام اختبار مباشر للمبدأ الذى طرحه، إذا كانت الدولة تملك، -وفق منطقه- حق السيطرة على الأرض التى يأتى منها التهديد، فماذا يحدث عندما يرى الطرف الآخر أن إسرائيل نفسها تمثل مصدر تهديد لأمنه؟.. وإلى نص الحوار:
بدايةً.. إلى أى مدى تعتقد أن الملف الإيرانى يُدار اليوم بناءً على اعتبارات تتعلق بمنع الانتشار النووى، وليس بإعادة تشكيل ميزان القوى فى الشرق الأوسط؟
– سؤال وجيه.. أعتقد أن الخطأ هو النظر إلى القضية الإيرانية باعتبارها قضية نووية فقط، فى معظم الإدارات الأمريكية السابقة على الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، كان التركيز الأساسى ينصب على منع إيران من امتلاك سلاح نووى، لكن ترامب رأى منذ عام ٢٠١٨ أن المشكلة الأوسع تتمثل فى الأيديولوجية الإيرانية الراديكالية والتوسعية، وأن البرنامج النووى ليس سوى أداة من بين أدوات أخرى تستخدمها إيران لتحقيق هدف أكبر، وخوض معركة الهيمنة الإقليمية.
فالبرنامج النووى، إلى جانب الصواريخ، والوكلاء، والإرهاب وغيرها من الأدوات، يجب النظر إليها باعتبارها أجزاء من منظومة واحدة تخدم هذا الهدف الاستراتيجى. ولذلك، لا يمكن التعامل مع إيران من خلال معالجة ملفها النووى وحده، بل يجب مواجهة مختلف أدوات قوتها ونفوذها بصورة شاملة، تمامًا كما تستخدمها إيران بصورة متكاملة لتحقيق أهدافها.
هل تعتقد أن واشنطن أخطأت فى افتراض أن الضغوط الاقتصادية والعسكرية وحدها يمكن أن تغيّر السلوك الاستراتيجى لإيران؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما الذى أساءت تقديره؟
– نعم، واشنطن أخطأت فى افتراض أن الضغوط الاقتصادية والعسكرية وحدها يمكن أن تدفع إيران إلى تغيير سلوكها الاستراتيجى. فكما رأينا مع تنظيم داعش، فإن التعامل مع حركة ذات طبيعة أيديولوجية توسعية كهذه يتطلب فى النهاية مواجهة عسكرية مباشرة على الأرض وتدمير قدرتها على مواصلة هذا المشروع، لكن الولايات المتحدة وشركاءها الإقليميين ليسوا مستعدين لخوض مثل هذه المواجهة البرية الشاملة.
ولذلك، فى ظل هذا الواقع، يمكن وينبغى استخدام الضغوط الاقتصادية والعسكرية إلى جانب الدبلوماسية، بهدف إضعاف إيران واحتوائها وردعها، وكذلك ردع وكلائها عن شن هجمات واسعة النطاق
والخطأ، فى رأيى الذى وقع فيه البعض خلال عملية الغضب الملحمى، هو الاعتقاد بأن ممارسة الضغط على إيران ستجعلها ببساطة تتخلى عن طبيعتها وأهدافها الاستراتيجية وتتحول إلى دولة «طبيعية» كما كانت قبل عام ١٩٧٩.
الضغط يمكن أن يضعف إيران ويحد من قدرتها على التوسع ويحقق أهدافًا استراتيجية محددة، لكنه لا يعنى بالضرورة تغيير طبيعة النظام نفسه.
إذا افترضنا أن الردع المتبادل بين إيران وإسرائيل أمريكا، قد منع حتى الآن اندلاع حرب شاملة، فما الذى يجعل هذا النموذج أكثر هشاشة اليوم مقارنة بما كان عليه قبل سنوات؟
– فى الواقع، أعتقد أن نموذج الردع يعمل الآن، فقدت إيران، على الأقل مؤقتًا، معظم قدراتها الهجومية، وأصبحت خياراتها المتبقية محدودة إلى حد كبير، فهى تستطيع إغلاق المضائق، كما تستطيع تهديد دول الخليج بالرد إذا تعرضت لهجوم جديد، لكن حتى هذه الأدوات أصبحت ذات تكلفة كبيرة عليها
فالمنطقة والعالم بدآ، رغم بعض المعاناة والتكاليف، فى التكيف تدريجيًا مع إغلاق المضائق. والأهم أن هذا الإغلاق يضر بإيران نفسها بشدة، لأنه أدى إلى توقف جميع صادراتها النفطية تقريبًا وقطع جزء كبير من تجارتها، لذلك فإن إغلاق مضيق هرمز سلاح ذو حدين. تستطيع إيران استخدامه كورقة ضغط، لكنها إذا أبقت المضيق مغلقًا، فإنها تخسر جزءًا كبيرًا من تجارتها وصادراتها، وتلحق ضررًا بالغًا باقتصادها. ومن ثم، فإن قدرتها على استخدام هذا السلاح لفترة طويلة ليست بلا حدود، بل تأتى بتكلفة استراتيجية واقتصادية كبيرة على إيران نفسها. فإيران لا تزال قادرة على التصعيد ولكنها لم تعد قادرة على التصعيد بلا ثمن، وكلما استخدمت أوراقها الأقوى دفعت ثمنا أكبر، لذلك إغلاق هرمز بمثابة خنجر فى خاصرة طهران.
كيف تتصور الوضع بعد إعادة فتح المضيق؟ هل ستمنح واشنطن إيران دورًا فى تنظيم حركة السفن أو التأثير على الممرات البحرية؟
– أعتقد أن أمريكا قد توافق على ترتيب مع عُمان وإيران لتنظيم ممرات الملاحة، خصوصًا مع استمرار وجود الألغام فى المنطقة، وربما السماح بفرض رسوم معقولة على العبور. لكن واشنطن لن توافق على أى اتفاق يرفع الحصار الأمريكى مقابل فرض رسوم مبالغ فيها، أو يمنح إيران الحق فى وقف حركة الملاحة وقتما تشاء، أو منع سفن معينة من العبور، مثل السفن الحربية الأمريكية أو السفن المرتبطة بإسرائيل.
هل تعتقد أن السياسات الإسرائيلية الحالية عززت أمن إسرائيل على المدى الطويل، أم أنها خلقت بيئة أكثر خطورة؟.
– أعتقد أن إسرائيل استخلصت من أحداث ٧ أكتوبر درسًا أساسيًا، وهو أن الاكتفاء بإدارة التهديدات واحتوائها لم يعد كافيًا، وأن عليها فى بعض الحالات التحرك مسبقًا لمنع التهديد من التحول إلى هجوم مباشر، وقد انعكس هذا التحول فى سياستها تجاه هذه المناطق، وأدى بالفعل إلى بعض الخلافات مع واشنطن بشأن حدود استخدام القوة وكيفية التعامل مع هذه الملفات، لكن هذه الخلافات يجرى احتواؤها تدريجيًا.
إلى أى مدى ترى أن السياسة الأمريكية تجاه إيران أصبحت أسيرة للاعتبارات الداخلية الأمريكية والتحالف مع إسرائيل، أكثر من ارتباطها بحسابات المصلحة الاستراتيجية الأمريكية نفسها؟.
– لا أعتقد أن السياسة الأمريكية تجاه إيران رهينة بالاعتبارات الداخلية أو بالتحالف مع إسرائيل بقدر ما تحركها المصالح الاستراتيجية الأمريكية. والدليل على ذلك أن الحكومة الإسرائيلية الحالية المتمثلة فى بنيامين نتنياهو أصبحت غير شعبية لدى قطاعات واسعة من الأمريكيين، ومع ذلك تظل الاعتبارات الاستراتيجية هى العامل الأهم فى صياغة السياسة الأمريكية. المصلحة الأساسية لواشنطن هى تجنب أن تنزلق منطقة الشرق الأوسط إلى حرب وفوضى واسعة، أو أن تقع تحت هيمنة دولة معادية وعدوانية قادرة على فرض نفوذها على المنطقة. وقد واجهت الولايات المتحدة مخاطر من هذا النوع فى مراحل مختلفة، سواء مع الرئيس العراقى الراحل صدام حسين، أو تنظيم داعش، أو إيران.
إذا استمرت واشنطن فى الجمع بين العقوبات والردع العسكرى دون تقديم إطار دبلوماسى واضح، فما السيناريو الذى تتوقعه خلال السنوات المقبلة؟







